ابن عجيبة

120

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً أي : أئمة يقتدى بنا في الدين ، فاكتفى بالواحد ؛ لدلالته على الجنس ، أو : واجعل كل واحد منا إماما ؛ أي : من أولادنا إماما . والظاهر : أن صدور هذا الدعاء منهم كان بطريق الانفراد ؛ إذ يتعذر اجتماعهم في دعاء واحد . وإنما كانت عبارة كل واحد منهم عند الدعاء : واجعلني للمتقين إماما ، غير أنه حكيت عبارة الكل بصيغة المتكلم مع الغير ؛ قصدا إلى الإيجاز ، كقوله تعالى : يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ « 1 » . وأبقى إماما على حاله من الانفراد . قيل : وفي الآية دليل على أن الرئاسة في الدين ينبغي أن تطلب ويرغب فيها ، إذا كان القصد نفع عباد اللّه دون حظ نفساني . أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ ، جنس ، أي : الغرفات ، وهي العلالي في الجنة . ووحده بقصد الجنس . بِما صَبَرُوا ؛ بصبرهم على مشاق الطاعات ، وترك الشهوات ، وتحمل المجاهدات ، وعلى إذاية أهل الإنكار ، وارتكاب الذل والافتقار . وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً أي : تحييهم الملائكة ، ويدعون لهم بطول الحياة والسلامة من الآفات . أو : يحيى بعضهم بعضا ، ويسلمون عليهم ، خالِدِينَ فِيها ؛ لا يموتون ولا يخرجون ، حَسُنَتْ أي : الغرفة مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً ؛ موضع قرار وإقامة ، وهي في مقابلة : ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً . قُلْ يا محمد : ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ أي : ما يصنع بكم ربّى ، وأي فائدة في خلقكم ، لولا دعاؤكم إلى الإسلام والتوحيد ، أو : لولا عبادتكم له ، أي : إنما خلقكم لعبادته ؛ كقوله : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ « 2 » ؛ فإنما خلق الإنسان لمعرفته وطاعته ، وإلا فهو وسائر البهائم سواء . قال المحشى : والظاهر : أنه خطاب لقريش القائلين : أَ نَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا أي : لا يحفل بكم ربى لولا تضرعكم واستغاثتكم إياه في الشدائد . ه . وقيل : ما يعبأ : بمغفرة ذنوبكم ، ولا هو عنده عظيم ، لولا دعاؤكم معه الآلهة والشركاء ، كقوله : ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ « 3 » ، قاله الضحاك . ثم قال : فظاهره : أن « ما » : استفهامية ، ويحتمل كونها نافية . انظر بقية كلامه . وفسّر البخاري الدعاء هنا بالإيمان « 4 » ، أي : ما يبالي بكم ربى لولا إيمانكم المتوقع من بعضكم ، فَقَدْ كَذَّبْتُمْ بما جاء به الرسول فتستحقون العقاب ، فَسَوْفَ يَكُونُ العذاب الذي أنتجه تكذيبكم لِزاماً ؛ لازما لكم ؛ لا تنفكون عنه ، حتى يكبكم في النار . فالفاء في قوله : فَقَدْ كَذَّبْتُمْ استئناف وتعليل لكونهم لا يعبأ بهم ، وإنما أضمر العذاب من غير تقدم ذكر ؛ للإيذان بغاية ظهوره وتهويل أمره ، وأنه مما لا تفي العبارة به .

--> ( 1 ) من الآية 51 من سورة المؤمنون . ( 2 ) من الآية 56 من سورة الذاريات . ( 3 ) من الآية 147 من سورة النساء . ( 4 ) انظر فتح الباري ( كتاب الإيمان ، باب دعاؤكم إيمانكم 1 / 64 ) .